الغزالي

151

إحياء علوم الدين

وان الدم منها كاللبن من الرائب ، وان النطفة من الرجل شرط في خثور دم الحيض وانعقاده ، كالإنفحة للبن ، إذ بها ينعقد الرائب . وكيفما كان فماء المرأة ركن في الانعقاد ، فيجري الماء ان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود فمن أوجب ثم رجع قبل القبول ، لا يكون جانيا على العقد بالنقض والفسخ . ومهما اجتمع الإيجاب والقبول ، كان الرجوع بعده رفعا وفسخا وقطعا . وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد ، فكذا بعد الخروج من الإحليل ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها ، فهذا هو القياس الجلي فان قلت : فإن لم يكن العزل مكروها من حيث إنه دفع لوجود الولد ، فلا يبعد أن يكره لأجل النية الباعثة عليه ، إذ لا يبعث عليه إلا نية فاسدة ، فيها شيء من شوائب الشرك الخفي ، فأقول النيات الباعثة عل العزل خمس : الأولى : في السراري ، وهو حفظ الملك عن الهلاك باستحقاق العتاق ، وقصد استبقاء الملك بترك الاعتاق ، ودفع أسبابه ليس بمنهي عنه الثانية : استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع ، واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق وهذا أيضا ليس منهيا عنه الثالثة : الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد ، والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء ، وهذا أيضا غير منهي عنه . فان قلة الحرج معين على الدين . نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله ، حيث قال * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها « 1 » ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل ، ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره ، مع كونه مناقضا للتوكل ، لا نقول إنه منهي عنه الرابعة : الخوف من الأولاد الإناث ، لما يعتقد في تزويجهن من المعرة ، كما كانت من عادة العرب في قتلهم الإناث ، فهذه نية فاسدة ، لو ترك بسببها أصل النكاح أو أصل الوقاع أتم بها ، لا بترك النكاح والوطء . فكذا في العزل . والفساد في اعتقاد المعرفة في سنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أشد ، وينزل منزلة امرأة تركت النكاح استنكافا من أن يعلوها رجل ، فكانت تتشبه بالرجال . ولا ترجع الكراهة إلى عين ترك النكاح

--> « 1 » هود : 6